منوعات

غينيا تصادر لقاحات أمريكية مخصصة للأطفال

أعلنت الشرطة القضائية في غينيا بيساو مصادرة شحنة من لقاحات التهاب الكبد الوبائي «ب»، كانت مخصصة لتطعيم الأطفال، خلال عملية تفتيش استهدفت مكاتب مشروع «بانديم الصحي»، في إطار تحقيق بشأن ملابسات الشحنة ومصدرها وطريقة الحصول عليها.

وتأتي الخطوة وسط جدل دولي متصاعد بشأن تجربة سريرية مقترحة لبحث الآثار الصحية غير المباشرة للقاحات، بتمويل أمريكي، كان مخططًا لإجرائها على حديثي الولادة في الدولة الواقعة بغرب إفريقيا، قبل أن ترفض السلطات المضي فيها.

تفاصيل مصادرة لقاحات التهاب الكبد «ب» في غينيا بيساو

بحسب تقارير صحفية نشرتها وسائل إعلام دولية، نفذت الشرطة القضائية في غينيا بيساو عملية تفتيش لمكاتب مشروع «بانديم الصحي» يوم 19 أكتوبر 2026، أسفرت عن مصادرة دفعة من لقاحات التهاب الكبد «ب» المرتبطة بالتجربة السريرية المقترحة.

وأوضحت الشرطة أن العملية تستهدف التحقق من الظروف المحيطة بالشحنة، فيما أكدت التقارير أن المصادرة لا تعني، في حد ذاتها، وجود مخالفات تتعلق بجودة اللقاحات أو سلامتها أو فعاليتها.

وتخضع ملابسات الشحنة للتحقيق، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن الموافقات الرسمية اللازمة لإجراء التجربة، ومدى الالتزام بالمعايير الأخلاقية المعتمدة في الأبحاث الطبية التي تشمل الأطفال.

ما قصة التجربة السريرية الأمريكية المثيرة للجدل؟

تعود الأزمة إلى خطة لإجراء تجربة سريرية على حديثي الولادة في غينيا بيساو، بهدف دراسة ما يعرف بالآثار غير النوعية للقاحات، أي التأثيرات الصحية التي قد تتجاوز الحماية المباشرة التي يوفرها اللقاح ضد المرض المستهدف.

وكانت الخطة المقترحة تستهدف إشراك نحو 14 ألف طفل، مع إعطاء جرعة لقاح التهاب الكبد «ب» عند الولادة لنحو نصف المشاركين، وتأخير إعطائها للنصف الآخر لمدة ستة أسابيع.

وأثارت هذه الخطة انتقادات واسعة من خبراء الصحة العامة، لأن تصميم الدراسة كان سيحرم آلاف الأطفال من الحصول الفوري على جرعة لقاح معروفة بفاعليتها في الوقاية من العدوى، خصوصًا أن التهاب الكبد «ب» يمكن أن ينتقل من الأم إلى طفلها أثناء الولادة.

ويكمن جوهر الخلاف في أن الباحثين أرادوا دراسة التأثيرات الصحية المحتملة للقاحات، بينما حذر منتقدو التجربة من أن تأخير تدخل وقائي مثبت الفاعلية قد يعرض الأطفال لمخاطر صحية لا مبرر كافيًا لتحملها.

منظمة الصحة العالمية تحذر من المخاطر الأخلاقية والطبية

كانت منظمة الصحة العالمية قد أصدرت بيانًا في 13 فبراير 2026، أعربت فيه عن مخاوف كبيرة بشأن المبررات العلمية للتجربة المقترحة، والضمانات الأخلاقية المصاحبة لها، ومدى توافقها مع المبادئ المعتمدة للأبحاث التي تشمل مشاركين من البشر.

وأكدت المنظمة أن جرعة لقاح التهاب الكبد «ب» عند الولادة تمثل تدخلًا أساسيًا في الصحة العامة، نظرًا إلى دورها في الوقاية من العدوى التي قد تنتقل من الأم إلى الطفل، وتقليل مخاطر الإصابة المزمنة وما قد يرتبط بها من تليف الكبد وسرطان الكبد.

واعتبرت المنظمة أن حجب اللقاح عن بعض الأطفال المشاركين في الدراسة قد يعرضهم لأضرار خطيرة يمكن تجنبها، مشيرة إلى أن القيود المتعلقة بالموارد الصحية في الدولة لا تبرر حرمان المشاركين في الأبحاث من الرعاية المثبتة الفاعلية.

وشددت على ضرورة إخضاع أي دراسة من هذا النوع لمراجعة علمية وأخلاقية دقيقة، مع ضمان حماية الأطفال وتقليل المخاطر المحتملة إلى أدنى حد ممكن.

المصدر: منظمة الصحة العالمية، بيان بشأن التجربة المقترحة للقاح التهاب الكبد «ب» في غينيا بيساو، 13 فبراير 2026.

الحكومة ترفض المضي في التجربة

تفاقمت الأزمة بعد أن أعلنت السلطات في غينيا بيساو أن الحكومة لم تمنح الموافقة اللازمة لإجراء التجربة وفقًا للتصميم الذي جرى تداوله في وسائل الإعلام.

ونقلت تقارير صحفية عن وزير الصحة كوينهين نانتوتي تأكيده أن الأبحاث العلمية التي تشمل البشر، ولا سيما الأطفال، يجب أن تلتزم بالقوانين الوطنية والمبادئ الأخلاقية الدولية وآليات التقييم والموافقة المختصة.

وفي 16 أكتوبر 2026، أكدت الحكومة رفضها المضي في الدراسة، وفقًا لما نقلته تقارير صحفية عن الباحثين المشاركين فيها.

وجاءت مصادرة اللقاحات بعد هذا الموقف الرسمي، في إطار إجراءات للتحقيق في مصدر الشحنة وطريقة الحصول عليها ونقلها وتخزينها وإمكانية تتبعها.

وأكد الباحثون أن التجربة لم تبدأ، وأن أيًا من اللقاحات المخصصة لها لم يُعطَ للأطفال.

كم بلغ التمويل الأمريكي للتجربة؟

أثارت مصادر تمويل الدراسة اهتمامًا دوليًا واسعًا، بعدما أشارت تقارير صحفية إلى أن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية قدمت تمويلًا بقيمة 1.6 مليون دولار للمشروع، مع تمويل إضافي مماثل من جهات خاصة، ليصل إجمالي التمويل المعلن إلى نحو 3.2 مليون دولار.

وارتبط المشروع بباحثين يعملون ضمن مشروع «بانديم الصحي»، من بينهم بيتر آبي وكريستين ستابيل بين، إلى جانب الباحث فريدريك شالتز بوخولتسر.

كما أثارت الدراسة نقاشًا سياسيًا وصحيًا في الولايات المتحدة، بسبب دعم مسؤولين أمريكيين بارزين لأبحاث تتناول الآثار غير النوعية للقاحات، وبسبب الاعتراضات العلمية والأخلاقية على تصميم التجربة المقترحة.

ومع ذلك، فإن وجود تمويل أمريكي لا يعني أن الحكومة الأمريكية كانت صاحبة القرار بشأن تنفيذ التجربة داخل غينيا بيساو، إذ يظل إجراء الأبحاث على البشر خاضعًا للقوانين والموافقات المختصة في الدولة التي تستضيفها.

هل تعني مصادرة الشحنة أن لقاحات التهاب الكبد «ب» غير آمنة؟

لا. من المهم التمييز بين التحقيق في شحنة لقاحات وبين تقييم سلامة اللقاح نفسه.

فحتى الآن، لا تعني مصادرة الشحنة ثبوت وجود عيب في جودتها أو سلامتها أو فعاليتها، وإنما تتعلق الإجراءات المعلنة بالتحقيق في ملابسات الشحنة وعلاقتها بالتجربة المقترحة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن لقاح التهاب الكبد «ب» عند الولادة يتمتع بسجل طويل من الاستخدام والفاعلية، وتوصي بإعطائه في أسرع وقت ممكن بعد الولادة، ويفضل خلال أول 24 ساعة، للحد من انتقال العدوى من الأم إلى الطفل.

لذلك، لا ينبغي تفسير هذه الواقعة باعتبارها دليلًا على خطورة اللقاح المعتمد، بل باعتبارها قضية تتعلق بالرقابة على الأبحاث الطبية، والموافقات الرسمية، وحماية الأطفال المشاركين في التجارب السريرية.

ماذا تعني القضية لمستقبل التجارب الطبية في إفريقيا؟

تعيد القضية فتح النقاش حول الضوابط الأخلاقية للأبحاث الطبية التي تُجرى في الدول ذات الموارد الصحية المحدودة، ومدى قدرة السلطات المحلية على ضمان حماية المشاركين من المخاطر المحتملة.

كما تثير تساؤلات بشأن مسؤولية الجهات الممولة والباحثين والمؤسسات الصحية عن ضمان الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة، والالتزام بالمعايير الدولية، وعدم تعريض الفئات الأكثر ضعفًا لمخاطر يمكن تجنبها.

وفي غينيا بيساو، تبرز أهمية تعزيز برامج التطعيم الأساسية، وتوفير جرعات لقاح التهاب الكبد «ب» للأطفال حديثي الولادة، إلى جانب تطوير منظومة الرقابة على الأبحاث الطبية وضمان الشفافية في إجراءات الموافقة والتنفيذ.

وتظل القضية محل اهتمام دولي، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشأن الشحنة المصادرة والملابسات المرتبطة بها.

bnokalkma

نركز على كل ما يساعدك في بناء قرارك الاقتصادي مع الاضطلاع على المستجدات العالمية والمتغيرات الداخلية. وتدعيم ذلك بمجموعة من اراء الخبراء والمتخصصين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى