أخبارك

رويترز.. الحرب الايرانية الإسرائلية تكشف ضعف أمن الطاقة في مصر

في تقرير موسع لوكالة رويترز اليوم، سلطت الضوء على هشاشة أمن الطاقة المصري في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي ضربت منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا، خاصة بعد الحرب القصيرة بين إسرائيل وإيران في يونيو الجاري، والتي دامت 12 يومًا، وتسببت في توقف صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر بشكل كامل، ما أثر مباشرة على القدرات التشغيلية لقطاع الطاقة، وكشف مواطن ضعف خطيرة في البنية التحتية المصرية.

بداية الأزمة: غاز المتوسط في مهبّ الحرب

تقول “رويترز” إن الأزمة بدأت مع التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران مطلع يونيو، والذي وصل ذروته يوم 11 يونيو عندما هاجمت إيران منشآت حيوية في تل أبيب، وردّت إسرائيل بقصف مراكز إيرانية في سوريا ولبنان. وبينما لم تستهدف الضربات بشكل مباشر منصات الغاز، إلا أن المخاوف الأمنية دفعت إسرائيل إلى إغلاق حقل “ليفياثان” البحري الضخم، والذي يُعدّ المورد الرئيسي للغاز الطبيعي المصدر إلى مصر.

توقف الإنتاج من ليفياثان استمر 10 أيام تقريبًا، مما دفع وزارة البترول المصرية لإعلان حالة الطوارئ في قطاع الكهرباء، خصوصًا أن مصر تعتمد على واردات الغاز الإسرائيلي لتشغيل محطاتها في الصيف، حيث يزيد الطلب المحلي بأكثر من 30٪ مقارنة بباقي شهور العام.

مصر تحت الضغط: فجوة إمدادات تهدد الصيف

أكد التقرير أن مصر كانت من أكبر المتضررين اقتصاديًا من هذه الأزمة، إذ فقدت الدولة فجأة نحو 650 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا، وهو ما يعادل قرابة 20% من إجمالي إمدادات الشبكة المحلية.

هذه الكمية كانت تُستخدم أساسًا في تشغيل محطات الكهرباء الكبرى في الدلتا والقاهرة الكبرى، مما اضطر الحكومة المصرية إلى:

  • جدولة انقطاعات كهربائية (ساعة يوميًا في بعض المناطق).
  • اللجوء للاستيراد السريع للغاز المسال (LNG) من السوق الفوري بأسعار مرتفعة.
  • خفض تصدير الغاز المسال من مصنع دمياط بنسبة 70% لتوفير الاستهلاك المحلي.

وأشارت “رويترز” إلى أن مصر اضطرت خلال أسبوعين فقط إلى استيراد 5 شحنات طارئة من الغاز بقيمة تجاوزت 450 مليون دولار، مما زاد الضغط على الميزانية واحتياطي النقد الأجنبي.

زيف الاكتفاء الذاتي: هل مصر فعلاً منتجة للغاز؟

على الرغم من أن مصر أعلنت مرارًا اكتفاءها الذاتي من الغاز بعد اكتشاف حقل “ظهر” العملاق عام 2015، إلا أن التقرير يكشف أن الواقع مختلف تمامًا. فوفقًا لبيانات منصة Kpler المتخصصة في تتبع شحنات الغاز، فإن مصر تعتمد حاليًا بنسبة 40% على الغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجاتها، خاصة في أوقات الذروة، بينما يُستخدم غاز “ظهر” بنسبة كبيرة في الصناعات البترولية ومصانع البتروكيماويات.

وتقول “رويترز” إن “أزمة يونيو كشفت بوضوح أن الاكتفاء الذاتي لم يعد واقعيًا، خاصة بعد تراجع إنتاج حقل ظهر بنسبة 11% هذا العام مقارنة بـ2024، نتيجة ضعف الاستثمارات وتباطؤ أعمال الحفر في المياه العميقة.”

تحذيرات من المستقبل: شتاء أكثر قسوة؟

على الرغم من استئناف ضخ الغاز من إسرائيل يوم 23 يونيو بعد وقف إطلاق النار، فإن مستقبل الإمدادات لا يزال غامضًا. فالتوترات السياسية لم تُحلّ، وخطر توقف التوريد مجددًا في أي وقت ما زال قائمًا. ومن هنا، حذرت “رويترز” من أن الشتاء القادم قد يشهد أزمة طاقة أشد، خاصة إذا تكرر سيناريو التوقف في ذروة الطلب على الغاز للتدفئة.

وبحسب تقرير صادر عن مجلس الوزراء المصري الأسبوع الماضي، تعتزم مصر استيراد ما بين 150 إلى 160 شحنة من الغاز المسال خلال العام المالي الجديد (يوليو 2025 – يونيو 2026)، لتعويض الفجوة وضمان استمرارية الخدمة، مما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الأسواق الخارجية.

خطط الحكومة: حلول آنية بلا استراتيجية طويلة المدى

يشير التقرير إلى أن الحكومة المصرية تتحرك سريعًا للتعامل مع الأزمة، لكنها تفتقر إلى خطة استراتيجية طويلة المدى. فعلى الرغم من إطلاق مشاريع في مجال الطاقة الشمسية والرياح، إلا أنها لا تزال تمثل أقل من 6٪ من مزيج الطاقة المستخدم فعليًا.

من أبرز التحركات الحكومية:

  • توقيع عقود عاجلة مع شركات شحن LNG في أوروبا وقطر.
  • الإعلان عن تسريع وتيرة الربط الكهربائي مع السعودية.
  • مراجعة عقود تصدير الغاز المسال لموازنة الاحتياجات المحلية.
  • التنسيق مع الاتحاد الأوروبي لتوفير دعم فني وتمويلي في مجال الطاقة البديلة.

لكن “رويترز” تنقل عن خبراء قولهم إن “التحركات جيدة لكنها مؤقتة”، لأن أي توتر جديد في شرق المتوسط أو تراجع في إنتاج إسرائيل سيعيد الأزمة إلى الواجهة فورًا.

ماذا يعني ذلك للمواطن؟ ارتفاع فواتير وقلة الخدمة

على المستوى الشعبي، بدأت آثار الأزمة تظهر في شكل ارتفاع فواتير الكهرباء المنزلية، حيث أعلنت شركات التوزيع عن زيادة الشرائح الاستهلاكية بنسب تراوحت بين 10% إلى 20%، مع تطبيقها بداية من يوليو المقبل.

كما عاد جدول فصل الكهرباء إلى العديد من المناطق السكنية والتجارية، مما تسبب في شكاوى متكررة من أصحاب الورش والمصانع الصغيرة، نتيجة تعطل الإنتاج وتلف البضائع.

القطاع الصناعي: الخاسر الأكبر

بالإضافة إلى التأثير المنزلي، تكبد القطاع الصناعي خسائر فادحة بسبب نقص الكهرباء وارتفاع تكلفة الغاز الصناعي، حيث اضطر بعض المصانع في العاشر من رمضان و6 أكتوبر إلى تقليل ورديات العمل أو استخدام مولدات ديزل مرتفعة التكلفة، ما يهدد بارتفاع أسعار السلع خلال الأسابيع المقبلة.

ختامًا: أزمة تحذيرية تتطلب إصلاحًا جذريًا

تُعد أزمة يونيو 2025 رسالة تحذيرية صريحة للحكومة المصرية بأن تعزيز أمن الطاقة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، خصوصًا في ظل التقلبات الجيوسياسية المعقدة في المنطقة. وبينما تحاول مصر الحفاظ على استقرار اقتصادي في مواجهة أزمة الديون، فإن أي اضطراب في قطاع الطاقة قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على النمو، وتكلفة المعيشة، والاستثمار الصناعي.

bnokalkma

نركز على كل ما يساعدك في بناء قرارك الاقتصادي مع الاضطلاع على المستجدات العالمية والمتغيرات الداخلية. وتدعيم ذلك بمجموعة من اراء الخبراء والمتخصصين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى